ابن حزم
273
رسائل ابن حزم الأندلسي
ابن إبراهيم الطليطلي ( 1 ) ، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء ( 2 ) ، في قول الله عز وجل : { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) أن لبعض المتقدمين فيه قولاً ، وهو أن المسلم يكون مخبراً عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم ، ولا سيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه . وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقت تأجج نار الصبا وشرة الحداثة وتمكن غرارة الفتوة مقصوراً محظراً علي بين رقباء ورقائب ؛ فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي ( 3 ) شيخنا وأستاذي رضي الله عنه ، وكان أبو علي المذكور عاقلاً عاملاً ، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة ، وأحسبه كان حصوراً لأنه لم تكن له امرأة قط ، وما رأيت مثله جملة علماً وعملاً وديناً وورعاً ، فنفعني الله به كثيراً وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي . ومات أبو علي رحمه الله في طريق الحج . ولقد ضمني المبيت ليلة في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم ، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا ، ثم غبت عنها أعواماً كثيرة ، وكنت تركتها حين أعصرت ووجدتها قد جرى على وجهها ماء الشباب ففاض وانساب ، وتفجرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت ، وطلعت في سماء وجهها نجوم الحسن فأشرقت
--> ( 1 ) هو دون ريب محمد بن إبراهيم بن إسماعيل الطليطلي ويعرف بابن المشكيالي ، وقد رحل إلى المشرق ، وسمع بمصر بكر بن العلاء القشيري ، سمع منه كتابه في أحكام القرآن ، وكان ورعاً متقللاً من الدنيا ، توفي سنة 400 ( الصلة : 461 ) . ( 2 ) انظر التعليق السابق . ( 3 ) قد مر التعريف بهما ، ص : 196 ، 197 .